في خضم حرب غزة المدمرة التي اندلعت في أواخر عام 2008 واستمرت حتى أوائل عام 2009، والمعروفة باسم "عملية الرصاص المصبوب"، برزت العديد من القضايا الإنسانية والقانونية التي هزت الضمير العالمي. من بين هذه القضايا، كان استخدام الفوسفور الأبيض، وهي مادة كيميائية حارقة تسبب حروقًا شديدة وعميقة، محور اهتمام المنظمات الدولية والمدافعين عن حقوق الإنسان. وقد تجلت وحشية هذه المادة في حادثة مروعة وقعت في 24 يناير 2009، عندما استمرت قطعة من الفوسفور الأبيض المزعوم في الاشتعال داخل مدرسة تابعة لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في بيت لاهيا، شمال قطاع غزة.
كانت مدرسة الأونروا في بيت لاهيا، مثل العديد من مدارس الوكالة الأخرى في القطاع، بمثابة ملجأ آمن لمئات المدنيين الفلسطينيين الذين فروا من منازلهم بحثًا عن الأمان من القصف المستمر. ومع ذلك، لم تسلم هذه الملاذات من ويلات الحرب. أظهرت الصور والتقارير الواردة من الموقع قطعة من الفوسفور الأبيض وهي تشتعل ببطء، مطلقة دخانًا كثيفًا وتهدد حياة النازحين داخل المدرسة. هذا المشهد المروع لم يكن مجرد حادث فردي، بل كان جزءًا من نمط أوسع من الاستخدام المزعوم لهذه المادة في مناطق مدنية مكتظة بالسكان.
أثار استخدام الفوسفور الأبيض جدلاً دولياً واسعاً، حيث تعتبر اتفاقيات جنيف وبروتوكولاتها استخدام الأسلحة الحارقة في المناطق المدنية جريمة حرب. على الرغم من أن بعض الدول قد تجادل بأن الفوسفور الأبيض يمكن استخدامه لأغراض التغطية أو تحديد الأهداف، إلا أن طبيعته الحارقة وتأثيره المدمر على البشر والممتلكات المدنية يجعله سلاحًا مثيرًا للجدل للغاية عند استخدامه في مناطق مأهولة. وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان، مثل هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، العديد من الحالات التي أدت فيها قذائف الفوسفور الأبيض إلى إصابات خطيرة ووفيات بين المدنيين في غزة.
تسببت هذه الحادثة، وغيرها من الحوادث المماثلة، في دعوات متزايدة للمساءلة الدولية والتحقيق في انتهاكات القانون الإنساني الدولي. طالبت الأمم المتحدة والعديد من الدول بوقف استخدام هذه الأسلحة في المناطق المدنية وضمان حماية المدنيين. كما سلطت الضوء على الدور الحيوي الذي تلعبه الأونروا في تقديم المساعدة الإنسانية الأساسية والتعليم والرعاية الصحية لملايين اللاجئين الفلسطينيين، وكيف أن منشآتها، التي يجب أن تكون محمية بموجب القانون الدولي، أصبحت أهدافًا أو تضررت بشكل مباشر خلال النزاعات.
لا تزال ذكرى حادثة مدرسة بيت لاهيا، وندوب الفوسفور الأبيض، محفورة في ذاكرة سكان غزة، وتذكيرًا مؤلمًا بالثمن الباهظ الذي يدفعه المدنيون في النزاعات المسلحة. إن الحاجة إلى احترام القانون الإنساني الدولي وحماية المدنيين، وخاصة الأطفال والنساء، تظل أولوية قصوى لضمان عدم تكرار مثل هذه المآسي في المستقبل.

